تعج وسائل التواصل الإجتماعي في الحديث عن خصخصة المشافي الحكومية بين فريق أول يؤيدها وفريق ثاني يعارضها وفريق ثالث يؤيد إدارتها من القطاع الخاص وأنا سأرفض تخصيصها وإدارتها من قبل القطاع الخاص وسوف أبين أسباب هذا الموقف.
الإلتباس الحاصل مرده خلط الأشياء بشكل مقصود أو بدون قصد مما يستوجب التوضيح:
أولا- في موضوع الخصخصة بشكل عام وحول تجربة القطاع العام الفاشلة:
اثبتت النظرية الاقتصادية والتجربة التاريخية التي مرت بها دول العالم عدم نجاح القطاع العام ، لأنه تحول من قطاع عام إشتراكي كما يدعون إلى قطاع عام خادم للدولة ورجالها وليس للإنتاج والتنمية والنمو، وليس لمصلحة الفقراء بالتحديد.
عماله أداة الدولة الاستبدادية للتصفيق والقمع وجزء كبير منهم عبيد يخدمون أركان السلطة.
ليس هناك من سبيل سوى تحويل هذا القطاع إلى ملكية للناس والمجتمع وليس بيعه لبعض التجار المستغلين، أي عن طريق تحويله لشركات ومؤسسات مساهمة يملكها العمال والدولة حسب أهمية الشركة الاستراتيجية وأصحاب التخصص وباقي المواطنين.
ولكن هذا الموضوع لا يمكن معالجته عبر وسائل التواصل الإجتماعي وإنما يحتاج لمؤتمر وطني تشارك به السلطة والمجتمع المدني وكافة الشرائح الوطنية.
ثانيا- في ضرورة حماية المشافي الحكومية وتطويرها وتركها قطاعا عاما إجتماعيا ضروريا لحياة الناس والفقراء منهم بشكل خاص:
منذ ما قبل إستقلال سوريا والمشافي الحكومية ملجأ الناس للرعاية الصحية والعلاج المجاني لكافة الفئات، مع وجود مشافي خاصة لأصحاب الدخول العالية، ودامت التجربة كل هذه السنوات رغم وجود الفساد في عهد الأسدين، ولا شك أن هذه المشافي تحتاج اليوم إلى إدارات تتمتع بالكفاءة والنزاهة والشفافية والصدق والوطنية ، وما أكثر هذه الفئات وجوداً في سورية دائما.
ثالثا-في موضوع اللجوء إلى إدارة المشافي الحكومية:
في الواقع تعاني المشافي الحكومية من الفساد وسوء الإدارة مما جعل البعض يعتقد أنه لا يمكن تحسين إدارتها إلا بمشاركة القطاع الخاص.
وقد جرت مثل هذه المحاولات في دول عديدة نجحت في بعض الدول مثل إنكلترا وفشلت في دول أخرى مثل الهند، أي أنها تنجح في الدول التي يمكن تحميل الفقراء جزء من تكاليف هذا التحسين وتفشل في الدول التي لا تستطيع ذلك.
رابعا: ما هي نتائج التجارب العالمية التي أخذت بمشاركة القطاع الخاص في إدارة المشافي الحكومية-الهند نموذجا:
أثبتت تجربة الهند عدم نجاح هذه التجربة كما حدث في إنكلترا والولايات المتحدة والسعودية التي لم تظهر نتائجها حتى الآن، وكانت النتائج كالتالي:
- – فرضت الشركات رسوم إضافية على المرضى بما في ذلك الفقراء.
- – تم رفض استقبال المرضى غير القادرين على الدفع
- – لم تتمكن الحكومة من رقابة مستوى المعالجات والعمليات الجراحية
- – رغم مواد العقود الواضحة فقد استطاع القطاع الخاص الالتفاف عليها واستغلال المرضى المحتاجين
–
خامسا: والان ما العمل؟ كيف يمكن تحسين الخدمات الطبية والاقتصاد في النفقات التي تتحملها الدولة في المشافي الحكومية؟
- – اللجوء إلى عقود لخدمات محددة مثل عقود التحاليل المخبرية وعقود التصوير تضمن السرعة والكفاءة ومن المفروض أن عقود المخابر في سوريا يجب ألا تتجاوز تكلفتها في أكبر المستشفيات من ١-٢ مليون دولار. وعقود التصوير لا تتجاوز ٢-٣ مليون دولار
- – اللجوء إلى عقود صيانة للأجهزة المستخدمة في المشافي ويجب ألا تتجاوز هذه العقود مبلغ ١ مليون دولار
- – تحديد الخدمات الطبية الأساسية المجانية بما في ذلك الإسعاف والطوارئ وحالات الأوبئة
- – إشراك منظمة الصحة العالمية في مراقبة جودة الخدمات الصحية وضمان تنفيذ العقود
سادسا: خطوات لتبني وتشجيع التأمين الصحي:
يعتبر التأمين الصحي أفضل الوسائل لتحسين جودة الرعاية الصحية وتقليل الأعباء المالية على الدولة حيث يصبح الدفع عبر اشتراكات الأفراد ولذلك فإنه مناسب للدول التي تعاني من انخفاض دخل الأفراد ومستويات الفقر المرتفعة. في هكذا نظام تدفع الدولة تكاليف التأمين الصحي للفقراء أو ما يسمى بالتأمين الاجتماعي، وتقتطع الدولة نفسها جزء من الراتب الشهري للعاملين فيها، وتلزم أصحاب العمل بدفع تكاليف التأمين الصحي لعمالهم وموظفيهم، ويمكن اللجوء للمنظمات الدولية والجهات المانحة الأخرى لدعم الحكومية في زيادة المشتركين في التأمين الاجتماعي.
وبالطبع فإن موضوع التأمين الصحي يحتاج إلى مؤتمر وطني خاص تشترك فيه الدولة والمنظمات الأهلية ورجال الأعمال.