![]()
حين تعجز الكلمات عن رثاء صاحب الكلمات
استدعيْتُ كلمات المراثي كي تعينني على جلل فقدانك المفاجئ أيها العزيز الغائب، الدكتور موسى الحالول لأعزي أهله ومن عرفوك، وإلى من لم تتح لهم الأيام أن يقتربوا من عالمك،. لكن كلمات المراثي اضطربت وتعثرت على عتبة رثائك، ثم التفتت إليَّ كأنها تعاتبني قائلة:
ماذا تريد مني، يا رجل؟
- أتريدني أن أحتوي في بضعة أسطر رجلاً تضيق عن وصفه الأسطر، وتعجز أمام أثره العبارات؟
- وكيف للكلمات أن ترثي رجلاً كان هو نفسه من سادتها، ومن الذين طوّعوا صعابها، واستخرجوا من أعماقها ما خفي من المعاني؟
- كيف لها أن تصف ما قدّمه للأدب والفكر والبلاغة والترجمة، وهو الذي كان ينقل النص من اللغات الأجنبية إلى العربية، فلا يكتفي بأن يمنحه لساناً جديداً، بل يكسوه من فصاحة الضاد وجمالها ما يجعله، في أحيان كثيرة، أبهى مما كان عليه في لغته الأعجمية الأولى؟
الكلمة عند موسى الحالول موقف ومسؤولية
قلت لكلمات المراثي: حاولي، فلا بد من وداع يليق بالفقيد.
فقالت: إني أخشى ألا أبلغ مقامه.
قلت للمراثي: قولي أنه كان قائداً في مواقفه، وخادماً للمعرفة في عطائه، وشجاعاً لا يساوم حين يكون الصمت خيانة. فارفعي صوتك إلى مستوى سيرته، واقتربي، ولو قليلاً، من المعنى الذي عاش من أجله.
فأطرقت لحظة، ثم قالت:
نعم، لقد كان رجلاً شارك، بقلمه وفكره وصوته، في مقاومة الطغيان والظلم. لم يتخذ من الثقافة زينة للمجالس، ولا من البلاغة ستاراً يختبئ خلفه، بل جعل الكلمة موقفاً، والمعرفة مسؤولية، والفكر فعلاً أخلاقياً، كان صناجةً عربية تنشد أغاني الحرية في وجه القهر والاستبداد.
كان يدرك أن الكاتب الذي لا ينحاز إلى كرامة الإنسان قد يمتلك اللغة، لكنه يفقد معناها. ولذلك لم تكن كلماته حيادية أمام الألم والمعاناة، ولا مترددة أمام الاستبداد الظلم. كان يقول ما يراه حقاً بشجاعة، ويواجه المحن أحياناً بسخرية نافذة، كأنما أراد أن يهزم قسوة العالم بابتسامة العارف الذي يرى وراء المأساة ضعف الطغاة وهشاشة سلطانهم.
وكان، إلى جانب ذلك كله، نساجاً يجدل حبال الصداقة والمحبة لرتق التباينات بين الناس؛ لا يسأل الإنسان عن طائفته قبل أن يفتح له قلبه، ولا عن قومه أو عرقه قبل أن يمنحه مودته. ارتفع فوق التصنيفات الضيقة، وتجاوز الأسوار التي أقامها الخوف والجهل بين أبناء الوطن الواحد.
كان سورياً بقدر ما كانت سوريا لديه وطناً عظيماً للإنسان، لا سجناً للهويات. وكان عربياً بقدر ما كانت العروبة في وجدانه فضاءً ثقافياً وحضارياً، لا أداة استعلاء أو إقصاء. وكان إنساناً بقدر ما رأى في اختلاف البشر غنىً، وفي تنوعهم جمالاً، وفي كرامتهم جميعاً حقيقة لا تقبل التجزئة.
“لهذا تعجز البلاغة عن الإحاطة به؛ لأن بعض الرجال لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بمقدار الأثر الذي تركوه في أرواح الآخرين.”
وفاء الأحياء لمن سبقوهم إلى الغياب
لقد عاش الدكتور موسى الحالول حياةً قد تبدو قصيرةً في حساب الزمن، لكنها في حساب المعنى حياة ممتدة. فربَّ أعوام قليلة تنمو في ذاكرة الأجيال حتى تصبح قروناً، وربَّ إنسان يرحل عن الأرض، لكنه يظل حاضراً في الكتب التي كتبها، وفي النصوص التي ترجمها، وفي العقول التي أيقظها، وفي القلوب التي مستها صداقته.
لقد ترك بصمته في الثقافة السورية، وفي فضاء الأدب العربي، وفي كل مكان بلغته كتابته وترجماته. ولم تكن بصمته حبراً على ورق فحسب، بل كانت أثراً في الوعي، ونافذةً انفتحت بين اللغات والثقافات، وجسراً عبرت عليه الأفكار من عالم إلى عالم.
كان فصيح اللسان، عربي الروح، واسع المعرفة. يختار عباراته كما يختار الصائغ جواهره، ويمنح اللغة من روحه حتى تبدو الجملة في يده كائناً حياً، نابضاً بالحكمة والجمال. وحين يشتد الخطب. فكم وشى نصوصه بتطريزة من العبارات المنطوقة باللهجة الفراتية مفاخراً بجذوره الأصيلة،. لم يكن يتراجع إلى الظل، بل كان يتقدم بالكلمة، ثابتاً، ساخراً أحياناً، صارماً أحياناً أخرى، لكنه ظل دائماً وفياً للحقيقة كما فهمها وآمن بها.

بين الترجمة وبلاغة العربية
يا موسى، ماذا أقول فيك، وأنت الذي قرأ لك الناس بالعربية والإنجليزية ولغات أخرى، وعرفوك عبر النصوص التي كتبتها، والآداب التي نقلتها، والمعاني التي أعدت ولادتها في لغة الضاد؟
“أيكون الرثاء كافياً لرجل كانت حياته نفسها نصاً مفتوحاً على المعرفة والحرية والجمال؟”
اعذرني يا صديقي العزيز إن قصّرت العبارة عن بلوغ مقامك. واعذر الكلمات إن وقفت اليوم حائرةً أمام بابك؛ فهي، مهما سمت، تبقى أضيق من محبة الأصدقاء، وأقصر من مسافة الحنين، وأضعف من أن تحمل ثقل الغياب.

وفاء الأحياء لمن سبقوهم إلى الغياب
أذكر، يا عزيزي، يوم عدت من منفاك القصير لزيارة سوريا للمرة الأولى. لم تبدأ زيارتك بلقاء الأحياء، بل أسرعت إلى قبر أختك التي غيّبها التراب قبل عام، ولم تستطع أن تحضر وداعها الأخير.
وقفت عند قبرها، وقرأت لها الفاتحة، ولعل قلبك يومئذ كان يلامس أطراف ذلك العالم الضيق الذي وصلت إليه اليوم. لعل روحها سمعت خطاك، ولعلها كانت تعلم أن الغياب مهما طال، فإن الأرواح التي جمعها الحب لا تفترق، بل تتوارى إحداها عن عين الأخرى إلى حين.
كنت يومها تقف فوق التراب وتناجي من تحته، وها نحن اليوم نقف على الضفة ذاتها، نقرأ لك “الفاتحة” التي قرأتها لها، ونرسل إليك من خلف حجاب الغيب سلاماً لا نعرف كيف يصل، لكننا نؤمن أن المحبة أوسع من المسافات، وأن الدعاء لا تردّه أبواب السماء.

يا وفياً للصداقات، ويا ابن الوطن النبيل، ويا صاحب القلم الذي لم يخن رسالته؛ لم يعد في وسعنا أن نستبقي جسدك بيننا، لكن أحداً لن يستطيع أن ينتزع أثرك من الذاكرة.
“لقد مضيت إلى صمتك الأخير، غير أن كلماتك ستظل تتكلم. وغبت عن مجالسنا، لكن صورتك ستبقى جالسةً في المكان الذي أحببناك فيه. وتوقفت يدك عن الكتابة، لكن الحروف التي مرّت بين أصابعك ستظل شاهدةً على أنك عبرت من هنا، وأنك لم تكن عابراً.”
سلام على من بقي أثره بيننا
نم قرير العين يا موسى.
فمن عاش للكلمة الصادقة لا يموت حين ينقطع نَفَسه، بل يبدأ حياةً أخرى في ضمائر الناس. ومن زرع المحبة في القلوب لا يحتويه قبر أو جدث كما قال الله جلَّ وعلا «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ» (يس: 51)، لأنَّ من أفنى عمره في خدمة الجمال والمعرفة والحرية، يعود إلى خالقه محملاً بما لا يزول من صالح الأثر.
رحمك الله رحمةً واسعة، وسلام عليك، يا صديق المنابر الجامعية والمواقع الرقمية ومنها "سيرياوايز " و "مآلات"، ويا من عجزت الكلمات عن رثائه.![]()