نعيد نشر هذا المقال، الذي كُتب في أعقاب مونديال قطر 2022، لا بوصفه تعليقاً عابراً على بطولة انتهت، بل لأنه يكتسب اليوم راهنيّة جديدة في ضوء ما نشهده في كأس العالم 2026. فقد تغيّر المسرح الجغرافي للبطولة من قطر إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتوسّع عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً، واتسعت معه دائرة المشاركة العربية، لكن كثيراً من ردود الفعل التي صاحبت مباريات المنتخبات العربية بقيت تدور في الحلقات ذاتها: تضخيم الانتصار، تبرير الهزيمة، تحويل الرياضة إلى ساحة للثأر الرمزي، وإلباس لعبة كرة القدم ما لا تحتمل من أعباء التاريخ والدين والقومية والسياسة.
في مونديال 2026، حضرت منتخبات عربية عديدة، منها المغرب والجزائر ومصر والأردن والعراق والسعودية وقطر. وقد بدا المشهد شديد التباين: فهناك منتخبات أظهرت نضجاً تنظيمياً وفنياً واضحاً، وفي مقدمتها المغرب، الذي واصل تأكيد حضوره الدولي بعد إنجازه التاريخي في مونديال 2022، وتقدّم في البطولة الحالية إلى أدوار متقدمة بعد تجاوز هولندا بركلات الترجيح. وهناك منتخبات ما تزال تدفع ثمن الخلل الإداري، وضعف التخطيط، وغياب البنية الرياضية العميقة، كما ظهر في خروج السعودية والعراق من الدور الأول، رغم اختلاف ظروف البلدين وإمكاناتهما.
لهذا لا تعود قيمة المقال إلى أنه يتحدث عن مباراة أو نتيجة، بل إلى أنه يلامس ظاهرة أعمق: كيف نقرأ الرياضة؟ هل نراها مجالاً للتنافس الجميل، والانضباط، والعمل الجماعي، والفرح العام، أم نحوّلها إلى حرب رمزية بين هويات متصارعة؟ هل نهنئ الفائز لأنه لعب جيداً، ونحاسب الخاسر لأنه أخفق مهنياً، أم نبحث دائماً عن تفسير غيبي أو طائفي أو قومي أو سياسي لكل هدف يدخل الشباك؟
ليست كرة القدم بريئة تماماً من السياسة، ولا يمكن عزلها كلياً عن الاقتصاد والإعلام وصناعة الجماهير. لكنها في جوهرها تبقى لعبة، ومن الخطر أن نحولها إلى بديل عن التفكير السياسي، أو إلى مسرح لتصفية الأحقاد القديمة، أو إلى مخدر جماعي يلهي الناس عن أزماتهم اليومية. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة قراءة هذا المقال اليوم، لأن ما كان واضحاً في مونديال قطر 2022 عاد يظهر بأشكال جديدة في مونديال 2026: العطب ليس في الكرة، بل في الطريقة التي نحمّل بها الكرة ما لا تطيق.
أولاً: حين تصبح المباراة أكثر من مباراة
أسدل الستار على مونديال قطر 2022، كما يُسدل الستار كل أربع سنوات على حدث رياضي عالمي يملأ الشاشات والشوارع والمقاهي والبيوت. يومها بدا الحدث أكبر من مجرد بطولة؛ فقد اختلطت فيه الرياضة بالسياسة، والفرح بالمبالغة، والتنافس الرياضي باستعراض القوة الناعمة، خصوصاً أن الدولة المضيفة أنفقت أموالاً طائلة على تنظيم بطولة أرادت لها أن تكون حدثاً استثنائياً في تاريخ المنطقة.
قد يختلف الناس في تقييم ما أنفقته قطر على البطولة. فهناك من يرى في ذلك استثماراً في الصورة الدولية والبنية التحتية والحضور السياسي، وهناك من يراه بذخاً كان يمكن توجيه جزء منه إلى قضايا أكثر إلحاحاً في عالم عربي مثقل بالأزمات الاقتصادية والحروب والنزوح والفقر. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بقطر وحدها، بل بما تكشفه البطولات الكبرى عموماً عن العلاقة بين الرياضة والسلطة والمال والجمهور.
فالرياضة الحديثة لم تعد مجرد منافسة بين لاعبين. إنها صناعة ضخمة، وسوق إعلامية عالمية، وميدان لإعادة إنتاج المكانة الدولية للدول، ووسيلة لتلميع الأنظمة أحياناً، ولتسويق المدن والشركات والنجوم أحياناً أخرى. ومع ذلك، يبقى الجمهور هو الطرف الأكثر اندفاعاً في هذه اللعبة؛ فهو الذي يمنحها معناها العاطفي، وهو أيضاً الذي يحولها، حين يفقد مسافة الوعي، إلى معركة هوية لا علاقة لها أحياناً بما يجري داخل الملعب.
ثانياً: ضحالة التفسير حين يبتلع الملعبُ العقلَ
ما رافق مونديال 2022 من سجالات على وسائل التواصل الاجتماعي كان، في كثير من وجوهه، مقززاً ومؤسفاً. فقد دخل بعض الناس في صراعات مذهبية وطائفية وقومية لا معنى لها، وكأنهم كانوا ينتظرون مباراة كرة قدم كي يفرغوا ما في صدورهم من أحقاد قديمة. وبدلاً من أن تُقرأ المباراة بوصفها جهداً رياضياً، وتكتيكاً، ولياقة، وانضباطاً، صارت عند بعضهم دليلاً على انتصار دين على دين، أو قومية على قومية، أو تاريخ على تاريخ.
يرسم بعض اللاعبين إشارة الصليب قبل دخول الملعب أو بعد تسجيل هدف، لا ليعلنوا حرباً دينية على أحد، بل لأنها طقس شخصي بين اللاعب وإيمانه. ويسجد لاعبون مسلمون بعد هدف أو فوز، لا للرد على الصليب، ولا لإعلان فتح جديد، بل تعبيراً عن شكر خاص لله كما يفهمونه. في الحالتين نحن أمام سلوك إيماني شخصي، لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للتحريض أو المقارنة أو إعلان التفوق.
لكن العقل المؤدلج لا يرى الأشياء كما هي. إنه لا يستطيع أن يترك الإشارة إشارة، ولا السجود سجوداً، ولا الهدف هدفاً. لا بد أن يحوّل كل حركة إلى بيان سياسي، وكل احتفال إلى رسالة حضارية، وكل فوز إلى ثأر من عدو قديم. وهنا تبدأ المشكلة: حين يصبح المشاهد عاجزاً عن الاستمتاع باللعبة إلا إذا حمّلها معنى يتجاوزها، وحين تصبح المباراة مرآة لمرضنا نحن لا لمهارة اللاعبين.
ثالثاً: المغرب بين الإنجاز الحقيقي والتأويلات الوهمية
في مونديال قطر 2022، حقق المنتخب المغربي إنجازاً تاريخياً بوصوله إلى نصف النهائي، وكان من حق المغاربة أن يفرحوا، ومن حق العرب والأفارقة وكل محبي كرة القدم الجميلة أن يحتفوا بذلك الإنجاز. وفي مونديال 2026، عاد المغرب ليؤكد أن ما حدث في 2022 لم يكن ومضة عابرة، بل نتيجة تراكم رياضي وتنظيمي وفني، تُظهره جودة اللاعبين، وحضورهم في الدوريات الأوروبية الكبرى، وتطور العمل داخل الفئات العمرية، وتحسن الصورة العامة لكرة القدم المغربية.
غير أن هذا النجاح المغربي تعرّض، كما في السابق، لعمليات سطو رمزي متعددة. بعضهم أراد أن يجعله انتصاراً للأمازيغية على العروبة، وكأن المنتخب المغربي لم يكن يمثل دولة متعددة الروافد، عربية وأمازيغية وإفريقية ومتوسطية. وبعضهم الآخر أراد أن يحوله إلى امتداد للفتوحات الإسلامية، وكأن اللاعبين لم يدخلوا الملعب بخطط مدرب ولياقة بدنية ومهارات فردية، بل دخلوا التاريخ بسيوف قديمة وخرائط منسية.
هذه التأويلات لا تكرّم المغرب، بل تظلمه. فالمغرب لم يتقدم لأنه شعار قومي، ولا لأنه خطاب ديني، بل لأنه بنى تجربة رياضية أكثر جدية من كثيرين. وحين نهرب من هذا التفسير البسيط، فإننا نهرب من السؤال الحقيقي: لماذا تنجح دولة في بناء كرة قدم منافسة، بينما تفشل دول أخرى رغم ما تملكه من مال وسكان ومواهب؟
الجواب ليس في العرق ولا في الطائفة ولا في الخطاب العالي، بل في الإدارة، والشفافية، والاستثمار طويل الأمد، والاهتمام بالفئات العمرية، وإخضاع المدرب والإداري واللاعب للمحاسبة المهنية. كرة القدم، مثل السياسة والاقتصاد والتعليم، لا تنهض بالخطابة، بل بالمؤسسات.
رابعاً: الهزيمة ليست قدراً… لكنها ليست مؤامرة أيضاً
حين تخسر بعض المنتخبات العربية، يبدأ غالباً سوق التبريرات. مرة نقول إن التحكيم ظلمنا، ومرة إن الحظ عاندنا، ومرة إن المؤامرة الدولية لا تريد لنا أن نفرح. وقد يكون التحكيم ظالماً أحياناً، وقد يكون الحظ قاسياً أحياناً، لكن تحويل كل إخفاق إلى مؤامرة هو أسهل طريقة لدفن المسؤولية.
العراق، على سبيل المثال، بلد غني بالموارد، لكنه مثقل بأزمات سياسية واقتصادية وطائفية وإدارية عميقة. ومن الصعب أن تنتج كرة قدم مستقرة في بيئة عامة مضطربة، حيث تتداخل المحسوبيات، وتضعف المؤسسات، وتُهدر المواهب أو تُقصى لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة. لذلك لا يمكن لوم اللاعبين وحدهم، ولا يمكن أيضاً إعفاء المنظومة كلها من المسؤولية.
أما السعودية وقطر، فالمشكلة مختلفة. هنا لا نتحدث عن غياب المال، بل عن السؤال الأهم: هل يكفي المال لصناعة منتخب قوي؟ الجواب الواضح: لا. المال يستطيع بناء ملاعب، وشراء مدربين، وتنظيم بطولات، لكنه لا يستطيع وحده صناعة ثقافة كروية عميقة، ولا تعويض غياب التكوين، ولا إلغاء أثر القرارات المرتجلة، ولا خلق شخصية تنافسية حقيقية لدى المنتخب الوطني.
حين تخسر منتخبات صُرفت عليها الملايين، يصبح من حق الجمهور أن يسأل: أين ذهبت الأموال؟ من وضع الخطط؟ من اختار المدربين؟ من قيّم الأداء؟ من يتحمل المسؤولية؟ ليس المطلوب محاكمة اللاعبين كما لو كانوا وحدهم سبب الفشل، بل مساءلة المنظومة الرياضية كلها، من الاتحاد إلى الإدارة الفنية إلى مراكز التدريب إلى سياسات الاحتراف.
خامساً: كرة القدم كسوق نخاسة معاصر
في نهاية المطاف، تحولت كرة القدم الحديثة إلى سوق هائلة. اللاعبون يُشترون ويُباعون بمبالغ خيالية، والشركات تراهن على الصور والقمصان والبث التلفزيوني، والجمهور يدفع من عواطفه ووقته وماله، بينما تُدار اللعبة بمنطق استثماري صارم. قد يبدو الأمر أكثر أناقة من أسواق النخاسة القديمة، لكنه في جوهره يقوم أحياناً على تحويل الإنسان الموهوب إلى سلعة متداولة في بورصة المشاهير.
كان ميسي بطل مونديال 2022، حين حمل الكأس للأرجنتين بعد مسيرة كروية استثنائية. وقد أُلبس يومها العباءة العربية في لقطة أثارت كثيراً من الجدل. بعضهم رأى فيها تكريماً ثقافياً، وبعضهم رآها محاولة رمزية للاستحواذ على لحظة لا تخص إلا اللاعب وبلده. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة أن ميسي عاد إلى الأرجنتين بطلاً، لكن الكأس لم تحل أزمات الأرجنتين الاقتصادية، ولم تُنه الفقر، ولم تبدد مشكلات بلد يعاني منذ سنوات من اختلالات عميقة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الشعوب تفرح، وهذا حقها، لكن الفرح لا يجب أن يتحول إلى نسيان دائم. كأس العالم قد تمنح الناس شهراً من الانفعال الجميل، لكنها لا تبني اقتصاداً، ولا تصلح إدارة، ولا تقيم عدالة، ولا تعيد ترتيب الدولة. هي لحظة فرح مؤقتة، لا مشروع خلاص.
سادساً: لماذا نحتاج إلى عقل رياضي لا إلى عقل تعبوي؟
العقل الرياضي الحقيقي يتعلم من الفوز كما يتعلم من الهزيمة. لا يرفع الفائز إلى مرتبة القداسة، ولا يحطم الخاسر تحت سيف الشماتة. يسأل عن التدريب، والجاهزية، والانضباط، والاختيار، والتخطيط، واللياقة، والقيادة داخل الملعب وخارجه. أما العقل التعبوي، فيبحث عن عدو. إذا فاز فريقه قال إن التاريخ انتصر، وإذا خسر قال إن المؤامرة انتصرت.
ما نحتاجه عربياً ليس أن نحب كرة القدم أقل، بل أن نفهمها أكثر. أن نفرح بلا أوهام، ونحزن بلا هستيريا، ونشجع بلا كراهية، ونحاسب بلا انتقام. أن نرى في المنتخب مؤسسة وطنية تحتاج إلى عمل طويل، لا مجرد راية نرفعها حين يفوز ونلعنها حين يخسر. وأن ندرك أن تقدم المغرب، أو مصر، أو الجزائر، أو أي منتخب عربي آخر، لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للتحريض بين العرب والأمازيغ، أو المسلمين والمسيحيين، أو المشارقة والمغاربة، بل إلى درس في معنى العمل المؤسسي.
خاتمة: ليعد كل شيء إلى حجمه الطبيعي
حين تنتهي البطولة، يعود كل شيء إلى حجمه الحقيقي. يذهب اللاعبون إلى أنديتهم، وتعود الجماهير إلى أعمالها وأزماتها، وتبقى الدول أمام أسئلتها الكبرى: الاقتصاد، التعليم، العدالة، الفساد، الحرية، الكفاءة، وفرص الشباب. أما الذين جعلوا الفوز نصراً على الاستعمار، أو الهزيمة دليلاً على مؤامرة كونية، فسوف يكتشفون أن ضجيجهم لم يغير شيئاً.
مبروك لكل منتخب عربي لعب بجدارة، ومبروك للمغرب على حضوره اللافت، ومبروك لكل فريق احترم جمهوره. أما المنتخبات التي أخفقت، فليست بحاجة إلى لعنات ولا إلى تبريرات، بل إلى مراجعة مهنية شجاعة. فالرياضة مثل السياسة: حين تغيب المؤسسات، ينتصر الارتجال؛ وحين تحضر المحاسبة، يبدأ الطريق نحو التقدم.
كرة القدم لعبة جميلة، لكنها تصبح خطيرة حين نطلب منها أن تعوّض فشلنا في السياسة، أو جراحنا في التاريخ، أو عجزنا عن بناء مؤسسات عادلة. لذلك فلنترك للكرة جمالها، وللملعب حدوده، وللوطن أسئلته الأعمق.