تنويه: في البدء كانت الكلمة، والكلمة حين تحمل الحقيقة لا تعرف انتهاءً لصلاحيتها. فالإنتاج الفكري والخطاب الوطني لا يذوبان مع الزمن، بل يتحولان إلى جزءٍ حيّ من ذاكرة الشعوب ومساراتها. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة تلك الكلمات بين حينٍ وآخر، لا بوصفها ماضياً منتهياً، بل باعتبارها مفاتيح لفهم الحاضر واستشراف ما يتصل به من جذورٍ وامتدادات. لذلك نعيد نشر هذه المقالة التي أنتجتها الأحداث في تاريخ 3 حزيران 2020.”
“الحضارة/فريق التحرير”
في آليات التفكير قبل تقرير المصير
إلى من يتوجّه هذا المقال
هؤلاء الذين لا ينتمون إلى أكثرية، ولكنهم لا يرون أنفسهم أقلية، وهؤلاء المظلومون الذين تحرّروا من السياجات المنهجية للمظلومية، فتمكّنوا من التفكير خارج أسوارها، وهؤلاء القلقون الذين يبحثون عن الطمأنينة في الوطن وفي المشاركة الفاعلة في ابتكاره، فلا يحتاجون إلى من يطمئنهم، وهؤلاء الذين ما زالوا يولون التفكير أهميته، فيتعبون في إنتاج آليات ومعارف ومنهجيات سابقة على القول والفعل، وهؤلاء الذين لا يحتاجون إلى الانتظار إلى آخر النهار ليقولوا لأطفالهم إن الشمس تغيب في الغرب-هؤلاء جميعاً لن يجدوا في هذا المقال ما يرضيهم أو يضيف إليهم جديداً. وإلى غير هؤلاء يتوجّه هذا المقال.
حين يتحوّل مفهوم تقرير المصير إلى إشكالية
أذكر أن سياسياً سورياً كردياً أراد مجاملتي بعد أن أعجبته وجهة نظري في ندوة حول القضية الكردية أُقيمت العام الماضي، فاقترب وقال بحماسة إنه يحترم الدروز. رأيت في كلامه تودداً واضحاً، لكنني شعرت بالاستياء من طريقة التعبير ومن نمط التفكير، غير أنني لم أحاول تقويض مجاملته، واكتفيت بابتسامة.
ثم أضاف أنه يؤيد “حق الدروز في تقرير مصيرهم أيضاً”. وكانت كلمة “أيضًا” تفيد ضمنيًا بتأييده حق السوريين الأكراد في تقرير مصيرهم بديهياً.
والحقيقة أننا لا يمكن أن نكون مؤمنين بالديمقراطية إلا إذا قبلنا بمبدأ حق تقرير المصير، لكن صاحبنا بدا مفرطًا في ديمقراطيته، إفراطًا قاده إلى تصور مصيرين مختلفين، ومن ثم تأييد حق تقرير مصيرين منفصلين، لكل جماعة مصيرها الخاص.
الانعزال وخياراته الخطرة
يمكن تتبّع بعض الأصوات الانعزالية في السويداء التي تشبه هذه المقاربة، مثل خطاب “النأي بالنفس”، ومبدأ حماية الجماعة دون تدخل سياسي، وصولًا إلى طروحات غريبة، كاستقلال السويداء.
الإيمان بأن مصير السوريين واحد مشترك هو منطق العقل السليم في بناء مصير آمن وسعيد.
التفكير قبل تقرير المصير
يمكن الاتفاق مع الجميع على مبدأ تقرير المصير، لكن الأهم هو التفكير في آلياته:
السؤال الجوهري
كيف يُقرَّر المصير؟ وما هي آليات التفكير اللازمة للوصول إلى قرار سليم؟
المثال الأول: شادي زيدان
يُساق مثال لضابط درزي في الجيش الإسرائيلي، شادي زيدان، الذي اختار الانتماء إلى دولة قائمة على أيديولوجيا دينية، واعتبرها وطنه، حتى صدر “قانون القومية اليهودية” عام 2018، الذي حصر حق تقرير المصير باليهود فقط.
حينها أدرك الحقيقة، وكتب معبّرًا عن صدمته:
“أعطيت الدولة كل شيء، وفي النهاية أصبحت مواطنًا من الدرجة الثانية.”
أي خيبة هذه، حين يكتشف الإنسان أنه قدّم روحه لمن لا يراه إلا مواطنًا من الدرجة الثانية؟
المثال الثاني: سمير القنطار
في المقابل، اختار سمير القنطار الاستمرار في القتال بعد تحرره، لكن تحت راية قوة أجنبية، فقاتل في سوريا إلى جانب النظام وإيران، دون أن يختبر لحظة مراجعة أو ندم، بل انتهى في مسارٍ وصف بـ”الجهاد المقدس”.
بين النموذجين… مساحة للتفكير
بين حسرة شادي ونهاية سمير، مساحة كافية للتأمل في خيار ثالث:
خيار وطني عقلاني، يحقق الكرامة والسلام والسعادة.
فإن لم تستند آلية تقرير المصير إلى هذا الخيار، فإنها ستقود-في أحسن الأحوال-إلى الخيبة، وفي أغلبها إلى الندم أو الهلاك.
في الختام
من يقاتل مع قوى خارجية-أياً كانت-لن يصل إلى مصير آمن وسعيد. فالوطن وحده هو الضامن الحقيقي.
واليوم، يبقى الإيمان بأن مصير السوريين واحد مشترك هو الأساس لأي مستقبل مستقر.
ومن دون القناعة بالوطن، والاستقواء به، ستبقى الجماعات مضطربة، وغير قادرة على تقرير مصير يضمن السعادة للأجيال القادمة.