الكاتبة: مريم بوريني/فريق تحرير منصة “مآلات”
منذر الكسار ومتاهة النفوذ العالمي بين ماربيا ونيويورك
على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، حيث تتقاطع أحلام النخبة الأوروبية مع طموحات الأثرياء الجدد، برزت في ثمانينيات القرن الماضي شخصية سورية لم تكن مجرد عابر سبيل في سجلات المال والأعمال، بل كانت خيطاً ناظماً في نسيج الصراعات الجيوسياسية الأكثر تعقيداً في التاريخ الحديث. بالنسبة للأجيال السورية والعربية الشابة، التي نشأت في خضم تحولات الألفية الجديدة، قد يبدو اسم “منذر الكسار” غريباً أو ربما إشارة غامضة في روايات كبار السن عن “زمن النفوذ السوري العابر للحدود“. لكن الحقيقة التي تخفيها تلال “ماربيا” الإسبانية وأروقة المحاكم الفيدرالية في نيويورك تتجاوز كل خيال روائي.
نحن بصدد الحديث عن “طاووس ماربيا” و”أميرها“، الرجل الذي كان يمتلك مفاتيح الدخول إلى غرف العمليات السرية في واشنطن، وموسكو، وبغداد، وبوينس آيرس، والذي استطاع لعقود أن يتلاعب بقرارات الحظر الدولية، ويقفز فوق أسوار أجهزة الاستخبارات العالمية، قبل أن يسقط في فخ لم يكن يتخيله في أكثر روايات الجاسوسية إثارة.1
هذا التقرير التحليلي يغوص في أعماق شخصية منذر الكسار، ليس فقط كتاجر سلاح دولي، بل كظاهرة سياسية واجتماعية تعكس تقاطع المصالح الاستخباراتية مع الجريمة المنظمة في عالم ما قبل وما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
إن قصة الكسار هي رحلة من قرية “النبك” السورية إلى أرقى أحياء لندن، ثم إلى قصور ماربيا المنيعة، وصولاً إلى زنزانة شديدة الحراسة في كولورادو الأمريكية، وهي رحلة تكشف حقائق غائبة عن النفوذ، والولاء، وكيف يمكن للفرد أن يصبح “برغياً” حيوياً في آلة الحرب العالمية.1
الجذور والنشأة: الدبلوماسية كغطاء لجيل جديد من النفوذ
لم يخرج منذر الكسار من بيئة محرومة أو هامشية، بل وُلد في عام 1945، ونشأ في بلدة “النبك” القريبة من دمشق، في كنف عائلة كانت تمثل النخبة الدبلوماسية والقانونية في البلاد.1 والده، محمد الكسار، كان شخصية مرموقة في السلك الدبلوماسي السوري، حيث خدم كسفير لسوريا في دول ذات ثقل استراتيجي مثل الهند وكندا.1
هذه النشأة الدبلوماسية منحت منذر منذ نعومة أظفاره اطلاعاً واسعاً على لغة السياسة الدولية، وفهماً عميقاً لكيفية تحرك الدول عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، مما شكل الأساس المعرفي الذي بنى عليه لاحقاً إمبراطوريته.1
بينما كان والده يمثل وجه سوريا الرسمي في الخارج، بدأ منذر وشقيقه الأكبر “غسان” في استكشاف مسارات أخرى للقوة. تشير التحليلات الاستخباراتية الأمريكية إلى أن غسان الكسار كان هو “المعلم” والأب الروحي لمنذر في عالم تجارة الممنوعات، حيث بدأ غسان نشاطه في بيع المخدرات في أواخر الستينيات، وظل منخرطاً في هذا العالم حتى وفاته الطبيعية في عام 2009
التحق منذر بكلية الحقوق في أواخر الستينيات، ليس رغبة في ممارسة المحاماة، بل ربما لفهم الثغرات القانونية التي ستصبح لاحقاً أداته الرئيسية في إدارة صفقاته الدولية.1
البدايات الجنائية وتأسيس نموذج “الوسيط العابر للقارات”
بدأت السيرة الجنائية لمنذر الكسار في وقت مبكر جداً، وبشكل يوحي بطموح يتجاوز الحدود المحلية.
- في عام 1970، سجلت منظمة “الإنتربول” أول عملية اعتقال له في مدينة “تريستي” الإيطالية بتهمة السرقة.1 لم يكن هذا الاعتقال سوى مقدمة لسلسلة من الصدامات مع القانون في العواصم الأوروبية.
- انتقل الكسار إلى شمال أوروبا، حيث اعتُقل في كوبنهاغن عام 1972 بتهمة الاتجار بالحشيش، وهي المرحلة التي صقلت علاقاته مع شبكات الجريمة المنظمة في أوروبا.1
- أدرك الكسار مبكراً أن الثروة الحقيقية تكمن في الربط بين تجارة المخدرات وتجارة السلاح.
- خلال إقامته في منطقة “سلون سكوير” الفاخرة في لندن في منتصف السبعينيات، أدار عملية معقدة تعتمد على استيراد الهيروين والحشيش من لبنان،
- استخدم الأرباح الطائلة لشراء أسلحة أوروبية وتهريبها مرة أخرى إلى المجموعات المسلحة في لبنان التي كانت تغرق في أتون الحرب الأهلية.1
هذا النموذج من “التجارة الدائرية” جعله شخصية محورية للقوى المتصارعة، حيث وفر السلاح والتمويل في آن واحد.

“طاووس ماربيا”: بناء الأسطورة في إسبانيا
بعد طرده من بريطانيا في عام 1984، اختار الكسار مدينة ماربيا الإسبانية لتكون مقراً لإمبراطوريته الجديدة. في ذلك الوقت، كانت ماربيا تتحول إلى ملاذ للأثرياء والشخصيات الغامضة، ولم يتأخر الكسار في فرض سطوته هناك. اشترى قصراً من الرخام الأبيض أطلق عليه اسم “Palacio de Mifadil” (قصر مفادي/فضيلتي)، وهو قصر يطل على منتجع ماربيا الساحر، وأصبح مركزاً لإدارة عمليات تجارة السلاح العالمية.1
في ماربيا، تجلت شخصية الكسار “الطاووسية“. كان يعيش حياة البذخ المفرط، ويتنقل بأسطول من سيارات المرسيدس المصفحة، ويمتلك طائرة خاصة يقودها بنفسه، وكان يوزع على ضيوفه سيجاراً كوبياً فاخراً يحمل اسمه وصورة ابنه.2 وصفته الصحافة الأوروبية بـ “أمير ماربيا”، بينما أطلقت عليه مجلة “باريس ماتش” الفرنسية في عام 1985 لقب “واحد من أقوى رجال الأعمال في العالم”.1 هذا الظهور العلني الصارخ لم يكن مجرد حب للتفاخر، بل كان استراتيجية تهدف إلى بناء هالة من الحصانة والنفوذ تجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية المساس به دون إثارة فضائح دولية.
«في غضون سنوات قليلة، أصبح هذا التاجر السوري واحداً من أقوى رجال الأعمال في العالم.»
“مجلة “باريس ماتش” (Paris Match)، عام 1985″.
آليات النفوذ: الدبلوماسية الموازية وشهادات “المستخدم النهائي”
ما ميز منذر الكسار عن غيره من تجار السلاح التقليديين هو قدرته على توظيف الصفات الرسمية لخدمة أغراضه غير الرسمية. في الثمانينيات، شغل منصب الملحق التجاري لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي آنذاك) في بولندا.3 هذا المنصب منحه حصانة دبلوماسية وقدرة على الوصول إلى المصانع العسكرية في الكتلة الشرقية، حيث كان يشتري السلاح بصفة رسمية لصالح الحكومة اليمنية، لكن الشحنات كانت تُحول في عرض البحر إلى وجهات أخرى تخضع لحظر دولي.3
كان “سلاح الكسار” الأقوى هو “شهادة المستخدم النهائي” (End-User Certificate). كان يمتلك شبكة من المسؤولين المرتشين في دول مختلفة، من نيكاراغوا إلى الصومال، الذين كانوا يزودونه بوثائق رسمية تثبت أن الأسلحة موجهة لجيوشهم الوطنية.6 بهذه الطريقة، استطاع الكسار خرق الحظر المفروض على دول مثل كرواتيا والبوسنة خلال حروب البلقان، حيث كانت السفن المحملة بالسلاح البولندي تفرغ حمولتها في الموانئ الكرواتية بينما تدعي الأوراق الرسمية أنها متوجهة إلى اليمن.1
«إذا أبرمت اليمن صفقة مع البوسنة وكرواتيا، فكيف يمكنني السيطرة على ذلك؟»
“منذر الكسار، رداً على اتهامه بخرق حظر الأسلحة باستخدام وثائق يمنية”.
الكسار في قلب العواصف الجيوسياسية: من “إيران – كونترا” إلى “أكيلي لاورو”
ارتبط اسم منذر الكسار بأكثر الملفات سخونة في الربع الأخير من القرن العشرين، مما يثبت أنه لم يكن مجرد تاجر، بل كان “ميسراً” (Fixer) تعتمد عليه القوى العظمى في عملياتها السرية.8
«ليس لي أي علاقة بعملية الاختطاف وآمل أن تنتهي في أقرب وقت ممكن؛ فالأطفال مقدسون بالنسبة للعرب، ولا أحد، حتى أسوأ أعدائك، يستحق هذا.»
“منذر الكسار، معلقاً على اختطاف أطفال أحد الشهود خلال محاكمته في إسبانيا عام 1995”.
فضيحة “إيران – كونترا”: الوسيط السوري لأوليفر نورث
في منتصف الثمانينيات، هزت فضيحة “إيران – كونترا” إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان. كشفت التحقيقات أن الكسار كان جزءاً حيوياً من هذه العملية، حيث تقاضى مبلغ 1.5 مليون جنيه إسترليني من حساب سويسري يسيطر عليه العقيد “أوليفر نورث” لتأمين وصول الأسلحة إلى متمردي “الكونترا” في نيكاراغوا.1 تكمن المفارقة في أن الكسار، السوري الذي كان يمتلك صلات وثيقة مع الأنظمة المناهضة للسياسة الأمريكية في المنطقة، كان في الوقت نفسه يعمل كقناة سرية للاستخبارات الأمريكية لتنفيذ أجندتها في أمريكا الوسطى.5
حادثة “أكيلي لاورو” ومقتل كلينغهوفر
تعتبر قضية اختطاف السفينة السياحية الإيطالية “أكيلي لاورو” في عام 1985 من قبل جبهة التحرير الفلسطينية نقطة تحول في نظرة العالم للكسار. اتهمت السلطات الإسبانية والاستخبارات الغربية الكسار بتوفير الأسلحة للخاطفين، بل وتسهيل هروب زعيم العملية “أبو العباس” على متن طائرته الخاصة بعد مقتل المواطن الأمريكي المقعد “ليون كلينغهوفر”.3 رغم اعتقاله في إسبانيا عام 1992 وقضائه فترة في السجن، إلا أنه بُرئ في عام 1995 في محاكمة أثارت الكثير من الجدل، حيث فُسرت البراءة بضغوط سياسية أو بـ “اختفاء” الشهود الرئيسيين أو تعرض عائلاتهم للاختطاف.1

الشركاء والخصوم: النفوذ في عالم “مابعد صدام” والعلاقة مع الأرجنتين
لم يتوقف طموح الكسار عند حدود أوروبا والشرق الأوسط، بل امتد ليشمل أمريكا اللاتينية والعراق. في أوائل التسعينيات، استغل الكسار أصوله السورية للتقرب من الرئيس الأرجنتيني “كارلوس منعم“، الذي كانت عائلته تنحدر من نفس المنطقة السورية.1 حصل الكسار على جواز سفر أرجنتيني في ظروف غامضة، وبدأ في التخطيط لاستثمارات كبرى في مناجم الذهب والعقارات، قبل أن تلاحقه اتهامات بالتزوير والحصول على الجنسية بطرق غير مشروعة.3
أما في العراق، فقد كشفت التقارير الاستخباراتية بعد عام 2003 عن علاقة وثيقة ربطت الكسار بـ “سبعاوي إبراهيم التكريتي“، الأخ غير الشقيق لصدام حسين. اتهمته الحكومة العراقية الجديدة في عام 2006 بأنه المصدر الرئيسي للدعم المالي واللوجستي للتمرد العراقي، ووضعته في المرتبة 26 على قائمة المطلوبين.2
“يُزعم أن الكسار ساعد في تهريب مبالغ طائلة من أموال النظام العراقي السابق إلى الخارج وتبييضها عبر شبكاته المعقدة”
تشريح السقوط: عملية “الإرث” (Operation Legacy)
ظن الكسار لسنوات أنه “أكبر من أن يُعتقل”، بفضل علاقاته مع أجهزة الاستخبارات الدولية وحنكته القانونية. لكن القواعد تغيرت جذرياً بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث أطلقت الولايات المتحدة استراتيجية جديدة لملاحقة تجار السلاح الذين يدعمون “الإرهاب” عبر الحدود. في عام 2006، بدأت إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA) عملية سرية فائقة التعقيد للإيقاع بـ “الطاووس”.1
المصيدة: مخبرون، فيديو، وصواريخ “سام”
اعتمدت العملية على استخدام ثلاثة مخبرين سريين، أبرزهم مخبر فلسطيني يدعى “سمير” استطاع كسب ثقة الكسار على مدار أشهر.7 تظاهر المخبرون بأنهم ممثلون للقوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC)، وهي منظمة تصنفها واشنطن كإرهابية، وأعربوا عن حاجتهم لشراء أسلحة متطورة لمواجهة القوات الأمريكية في كولومبيا.7
في اجتماعات سُجلت سرياً بالصوت والصورة داخل قصره في ماربيا، أظهر الكسار جانباً مرعباً من طموحاته؛ حيث لم يكتفِ بالموافقة على بيع آلاف الرشاشات والقذائف الصاروخية، بل عرض تزويدهم بصواريخ أرض-جو (SAMs) متطورة لإسقاط المروحيات الأمريكية، وأطنان من متفجرات C4، ومدربين من لبنان لتعليم المقاتلين كيفية صنع العبوات الناسفة.11 بل وصل الأمر به إلى عرض إرسال 1000 مقاتل لمساندة “الفارك” في حربها ضد الأمريكيين.6

لحظة الحقيقة في مطار باراخاس
كان الكسار حذراً للغاية؛ فقد رفض السفر إلى رومانيا لاستلام الدفعة الأولى من الأموال، مفضلاً البقاء في بيئته الآمنة في إسبانيا. لكن الـ DEA نجحت في استدراجه للسفر إلى مدريد لإنهاء الإجراءات المالية. في يونيو 2007، وبمجرد خروجه من الطائرة في مطار “باراخاس” الدولي بمدريد، وجد “أمير ماربيا” نفسه محاطاً بقوات الشرطة الإسبانية التي نفذت مذكرة توقيف دولية صادرة من نيويورك.1
كان مشهد الكسار وهو يساق مكبلاً بالأغلال بمثابة نهاية حقبة كاملة من “الحصانة” التي تمتعت بها هذه الشخصية لثلاثة عقود. سُلم الكسار إلى الولايات المتحدة في يونيو 2008، حيث بدأت واحدة من أكثر المحاكمات إثارة في تاريخ القضاء الفيدرالي الأمريكي.1
المحاكمة والسنوات الأخيرة: دراما القضاء والعدالة المتأخرة
بدأت محاكمة منذر الكسار في نوفمبر 2008 في مانهاتن. حاول فريق الدفاع عنه، بقيادة المحامي “إيرا سوركين”، تقديم رواية “العميل المزدوج”، مدعياً أن الكسار كان ينسق مع الاستخبارات الإسبانية للإيقاع بإرهابيي الفارك، وأن كل ما قاله في التسجيلات كان جزءاً من “تمثيلية” أمنية.7
لكن هيئة المحلفين لم تقتنع بهذه الرواية؛ فالتسجيلات كانت تظهره وهو يتحدث بجدية واضحة عن كيفية قتل الأمريكيين وتدمير طائراتهم، كما أن المسار المالي المعقد وتحويل أكثر من 400 ألف دولار من أموال الـ DEA إلى حسابات الكسار في لبنان عزز تهمة غسيل الأموال.7
الحكم القاسي والرسالة الدولية
في 20 نوفمبر 2008، أدانته المحكمة بكافة التهم الموجهة إليه. وفي فبراير 2009، أصدر القاضي “جيد راكوف” حكماً بالسجن لمدة 30 عاماً، بالإضافة إلى مصادرة كافة أصوله المالية المكتسبة من تجارة السلاح.1 حضر المحاكمة أقارب “ليون كلينغهوفر”، ضحية حادثة “أكيلي لاورو” عام 1985، في إشارة رمزية إلى أن العدالة، وإن تأخرت أكثر من عشرين عاماً، قد طالت الرجل الذي ارتبط اسمه بتلك المأساة.1
منذ ذلك الحين، يتنقل الكسار بين السجون الفيدرالية الأمريكية، ويقبع حالياً في سجن “فلورنس هاي” بولاية كولورادو، وهو سجن يضم أخطر المجرمين والإرهابيين.1 ورغم محاولاته المتكررة لطلب “الإفراج الرحيم” نظراً لتقدمه في السن (يتجاوز الثمانين الآن) ومشاكله الصحية، إلا أن القضاء الأمريكي يرفض ذلك باستمرار، معتبراً أن الكسار يمثل تهديداً للأمن القومي.1 ومن المقرر إطلاق سراحه في عام 2032، وهو موعد قد لا يبلغه “الطاووس” وهو على قيد الحياة.1
«لقد خدم العدالة اليوم بإدانة منذر الكسار، حيث وضع حداً نهائياً لقدرته على قيادة إمبراطورية ذخيرة عالمية سلحت ومولت المنظمات الإرهابية لعقود.»
“ميشيل لينهارت (Michele Leonhart)، مديرة إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية بالإنابة”.
تحليل الشخصية: لماذا سقط “الطاووس” في النهاية؟
عند تحليل مسيرة منذر الكسار، نجد أن “نقطة قوته” كانت هي نفسها “نقطة ضعفه”. لقد منحه البذخ والظهور العلني هالة من القوة، لكنه أيضاً جعله هدفاً واضحاً ومرصوداً.
- الفشل في قراءة التحول الدولي: استمر الكسار في العمل بعقلية الثمانينيات، حيث كان تجار السلاح يعملون كوسطاء مقبولين بين الدول. لم يدرك أن العالم بعد 11 سبتمبر أصبح يرى في هؤلاء الوسطاء “تهديداً وجودياً” وليس “أدوات مفيدة”.1
- الاستخفاف بالخصم: أظهرت التسجيلات السرية أن الكسار، رغم حذره، كان يتحدث بنوع من الاستعلاء والوثوق المفرط أمام المخبرين، مما جعله يتجاهل الكثير من العلامات التحذيرية التي كان من الممكن أن تنقذه من الفخ.1
- الحاجة المالية: أشارت بعض التحليلات إلى أن الكسار في سنواته الأخيرة كان يعاني من ضائقة مالية نسبية بسبب تراجع وتيرة النزاعات الدولية الكبرى التي كان يقتات عليها، مما دفعه للمخاطرة في صفقة “الفارك” رغم شكوكه الأولية.1

الخاتمة: نهاية حقبة وبقاء الظاهرة
إن قصة منذر الكسار ليست مجرد سيرة ذاتية لرجل أعمال سلك طريق الجريمة، بل هي تشريح دقيق للعلاقة الآثمة بين المال، والسلاح، والسياسة الدولية. بالنسبة للأجيال الشابة، يمثل الكسار درساً قاسياً في كيفية تحول النفوذ الفردي إلى عبء على صاحبه عندما تتغير موازين القوى العالمية. لقد كان “الطاووس” يظن أنه يمسك بخيوط العالم من قصره في ماربيا، لكنه اكتشف في النهاية أنه لم يكن سوى بيدق في لعبة أكبر بكثير، تم التضحية به عندما انتهت صلاحيته كأداة أمنية وأصبح عبئاً سياسياً.
تظل حقائق نفوذ الكسار في سوريا ولبنان والعراق والأرجنتين فصولاً مطوية في تاريخ لم يُكتب بالكامل بعد، لكن المؤكد هو أن “إمبراطورية الظل” التي بناها بالدماء والصفقات المشبوهة قد انهارت تماماً، تاركة وراءها دروساً في هشاشة القوة المبنية على استغلال مآسي الشعوب. إن “طاووس ماربيا” اليوم ليس سوى رقم في سجلات السجون الأمريكية، تذكرة حية بأن العدالة، مهما تأخرت، تمتلك طرقاً معقدة للوصول إلى أولئك الذين ظنوا يوماً أنهم فوق البشر وفوق القانون.
Works cited
- Monzer al-Kassar – Wikipedia, accessed December 22, 2025, https://en.wikipedia.org/wiki/Monzer_al-Kassar
- Equipo Nizkor – The Trafficker. – En derechos.org, accessed December 22, 2025, http://www.derechos.org/nizkor/corru/doc/alkassar.html
- FRONTLINE/WORLD . Sierra Leone – Gunrunners . Gallery of … – PBS, accessed December 22, 2025, https://www.pbs.org/frontlineworld/stories/sierraleone/alkassar.html
- Monzer al-Kassar – Wikipedia, accessed December 22, 2025, https://sco.wikipedia.org/wiki/Monzer_al-Kassar
- Meet the ‘Prince of Marbella’ – is he really supporting Iraq’s insurgency? – The Guardian, accessed December 22, 2025, https://www.theguardian.com/world/2006/oct/01/iraq.armstrade
- Kassar Indictment, accessed December 22, 2025, https://www.justice.gov/archive/usao/nys/pressreleases/June07/kassarS2indictment.pdf
- Inside a Terror Trial – City Journal, accessed December 22, 2025, https://www.city-journal.org/article/inside-a-terror-trial
- Convergence: Illicit Networks and National Security in the Age of Globilization – NDU Press, accessed December 22, 2025, https://ndupress.ndu.edu/portals/68/documents/books/convergence.pdf
- Interfor Report, accessed December 22, 2025, http://americanradioworks.publicradio.org/features/lockerbie/resources/pdf/interfor_report.pdf
- before the – DEA.gov, accessed December 22, 2025, https://www.dea.gov/sites/default/files/pr/speeches-testimony/2012-2009/ct032609.pdf
- Kassar et al. Arrest, accessed December 22, 2025, https://www.justice.gov/archive/usao/nys/pressreleases/June07/kassaretalarrest%20PR.pdf
- #08-533: International Arms Dealer Extradited on Terrorism Offenses (2008-06-13), accessed December 22, 2025, https://www.justice.gov/archive/opa/pr/2008/June/08-nsd-533.html
- Al Kassar, Moreno Verdict – Department of Justice, accessed December 22, 2025, //www.justice.gov/archive/usao/nys/pressreleases/November08/alkassarmorenoverdictpr%20.pdf