أثار تصريح للشيخ حكمت الهجري، نُشر في تسجيل مصوّر خلال أغسطس/آب 2026، جدلًا بشأن طبيعة العلاقة بين العقيدة الدرزية واليهودية. إذ قال الهجري: «نحن، وحتى في العقيدة، مشتركون مع دولة إسرائيل، ونحن تاريخيًا، كموحدين دروز، جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل، ومعنيون بالحفاظ على هذا الفكر، وعلى هذه الدول».
ويطرح هذا التصريح تساؤلًا حول مدى دقته من الناحيتين الدينية والتاريخية: هل تقوم العقيدة الدرزية واليهودية على أصول مشتركة تتجاوز الإيمان بالتوحيد، أم أن التصريح يخلط بين بعض أوجه التشابه الديني والموقف السياسي من إسرائيل، متجاهلًا الفروق الجوهرية بين العقيدتين؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات: التشابه في بعض المفاهيم الدينية والفلسفية، والعلاقات التاريخية المحتملة بين التقاليد الفكرية المختلفة، والمواقف السياسية المعاصرة. فوجود تشابه بين عقيدتين لا يعني بالضرورة أنهما تنتميان إلى أصل واحد، كما أن التقارب السياسي لا يثبت وجود تطابق ديني أو تاريخي بينهما.
هذا ما سأحاول تناوله من خلال مجموعة من الملاحظات المتأنية، آملًا أن تكون قريبة من الصواب.
أولًا: السياق التاريخي لنشأة الفكر الدرزي
إن فهم العقيدة الدرزية يقتضي وضعها في سياقها التاريخي، بعيدًا عن المقارنات المجتزأة أو الأحكام التي تنطلق من مواقف سياسية معاصرة.
نشأت الدعوة الدرزية في البيئة الإسلامية الإسماعيلية في القرن الحادي عشر الميلادي، واستخدمت لغة ومفاهيم ذات جذور إسلامية. ولذلك لا يصح فهمها بمعزل عن البيئة الإسلامية التي ظهرت فيها، ولا عن التيارات الفكرية والفلسفية التي كانت متداولة آنذاك.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال الفكر الدرزي في منظومة فقهية إسلامية تقليدية؛ فقد تطور ضمن بناء عقدي وتأويلي خاص، وأعطى المعرفة والحكمة والرمزية والتأمل الفلسفي مكانة مهمة.
ومن هنا ظهرت مقارنات بين الفكر الدرزي والإسماعيلية، وبعض التيارات الغنوصية، والفلسفة الأفلوطينية، فضلًا عن بعض التقاليد الصوفية والقبّالية اليهودية. لكن هذه المقارنات ينبغي أن تُفهم بوصفها محاولات لفهم أوجه التشابه والاختلاف، لا باعتبارها دليلًا تلقائيًا على انتقال الأفكار من تقليد إلى آخر.
فهناك فرق بين أن تتشابه منظومتان في بعض المفاهيم، وبين أن نثبت وجود علاقة تاريخية مباشرة بينهما.
«فوجود تشابه بين عقيدتين لا يعني بالضرورة أنهما تنتميان إلى أصل واحد، كما أن التقارب السياسي لا يثبت وجود تطابق ديني أو تاريخي بينهما.»
أديب البردويل
ثانيًا: التأويل الباطني ومكانته في الفكر الدرزي
من أهم المفاهيم التي تساعد على فهم الفكر الدرزي مفهوم التأويل الباطني؛ أي الانتقال من المعنى الظاهر للنص إلى معنى أعمق يتجاوز حرفية اللفظ، والبحث في ما تحمله الكلمات والرموز من دلالات روحية وفلسفية.
ومن هذا المنظور، لا يصبح النص مجرد مجموعة من الألفاظ التي تُقرأ على ظاهرها، بل بناءً متعدد المستويات يمكن أن يحيل إلى معانٍ تتجاوز القراءة المباشرة.
ويمكن توضيح الفرق بين القراءة الحرفية والتأويل من خلال قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾. فالقراءة الظاهرية تقف عند النهي عن قول كلمة «أف»، بينما يمكن للقراءة التأويلية أن تستخلص من الآية نهيًا أوسع عن كل ما يتضمن الإساءة إلى الوالدين.
ولا يعني هذا المثال أن الآية نفسها تمثل خصوصية درزية، وإنما يوضح الفرق المنهجي بين الوقوف عند ظاهر العبارة والبحث عن مقصد أعمق منها.
ويحتل هذا النوع من التفكير مكانة مهمة في دراسة العقيدة الدرزية، التي تعطي المعرفة والحكمة والتأويل والسلوك الأخلاقي وزنًا كبيرًا إلى جانب الممارسة الدينية. ولذلك فإن فهمها يتطلب النظر إلى ما وراء الأحكام والمظاهر الخارجية، ومحاولة استيعاب البناء الفكري والرمزي الذي تشكلت داخله.
لكن التأويل ليس خاصًا بالدرزية؛ فالتراث اليهودي عرف بدوره تقاليد واسعة في تفسير النص، بدءًا من التفسير الحاخامي والمدراش، وصولًا إلى التيارات الصوفية والقبّالية. وفي هذه التقاليد يمكن للنص الواحد أن يحمل مستويات متعددة من المعنى، ولا تكون القراءة الحرفية بالضرورة نهاية العملية التفسيرية.
وهنا تظهر إحدى نقاط المقارنة المهمة بين الدرزية واليهودية: فالتشابه موجود في طريقة التعامل مع النص، لكنه لا يعني تطابق العقائد أو وحدة النتائج. إذ تطور التأويل اليهودي ضمن تاريخ طويل من التوراة والشريعة والتفسير الحاخامي، بينما أصبح التأويل في الفكر الدرزي جزءًا من بناء عقدي باطني ذي خصوصية واضحة.
ثالثًا: مفهوم الله والتنزيه وحدود اللغة
يحتل مفهوم الله موقعًا مركزيًا في التصور الدرزي، مع تأكيد قوي على تنزيه الله واستحالة الإحاطة بذاته. فلا يستطيع العقل الإنساني، وفق هذا التصور، أن يستنفد حقيقة الله من خلال التعريفات والمفاهيم واللغة.
وتتيح هذه الفكرة إجراء مقارنة فلسفية مع بعض الاتجاهات في الفكر اليهودي. فقد أكد فلاسفة يهود، وفي مقدمتهم موسى بن ميمون، محدودية اللغة البشرية في وصف الله، وضرورة الحذر من التعامل مع الصفات الإلهية كما لو كانت أوصافًا بشرية مباشرة.
وبذلك نجد في التقليدين مساحة مشتركة تتمثل في الاعتقاد بأن الحقيقة الإلهية تتجاوز قدرة الإنسان على الإحاطة الكاملة.
لكن هذا التشابه لا يعني أن التصورين متطابقان؛ فلكل تقليد بنيته اللاهوتية الخاصة، كما تختلف الطرق التي يفسر بها كل منهما العلاقة بين الله والعالم.
ومن ثم، فإن المقارنة الأدق ليست القول إن التصور الدرزي عن الله يساوي التصور اليهودي، وإنما ملاحظة أن كلا التقليدين طور، بطرق مختلفة، لغة دينية وفلسفية تؤكد علو الله عن الإحاطة البشرية الكاملة.
رابعًا: الحدود الخمسة وبنية الوجود
في سياق الحديث عن التصور الدرزي للوجود، تظهر الحدود الخمسة، وهي من أكثر المفاهيم تعقيدًا في الفكر الدرزي.
ولا ينبغي فهم هذه الحدود على أنها آلهة متعددة أو شركاء لله، بل بوصفها، في البناء العقدي الدرزي، مراتب أو مبادئ كونية تنتظم من خلالها العلاقة بين الحقيقة الإلهية والوجود.
وتشمل هذه الحدود العقل الكلي، والنفس الكلية، والكلمة، والسابق، والتالي. والعقل هنا ليس العقل الفردي الذي يمتلكه الإنسان، وإنما مفهوم كوني وفلسفي يرتبط بالنظام والحكمة والمعرفة.
وقد دفعت هذه التصورات بعض الباحثين إلى مقارنتها بالفلسفة الأفلوطينية، حيث نجد عند أفلوطين تصورًا متدرجًا للوجود يبدأ من الواحد، ثم العقل، ثم النفس، وصولًا إلى العالم المحسوس.
ولا يعني ذلك أن الحدود الخمسة مجرد نسخة من البناء الأفلوطيني؛ فالتشابه بين نظامين فلسفيين لا يكفي وحده لإثبات الاقتباس أو التأثر المباشر. وإنما يمكن القول إن المقارنة بالأفلوطينية تساعد على إضاءة جانب من اللغة الفلسفية المستخدمة في تفسير مراتب الوجود.
ويمكن أيضًا إجراء مقارنة مع القبّالة اليهودية، ولا سيما مفهوم السفيروت. ففي القبّالة نجد تصورًا لمراتب أو تجليات ترتبط بكيفية ظهور الفعل الإلهي في العالم. وقد يبدو التشابه بين البنيتين لافتًا من حيث وجود إله متعالٍ وبنية من المراتب التي تساعد على تفسير الصلة بين المطلق والعالم.
لكن من الضروري عدم تحويل هذا التشابه إلى مساواة. فالحدود الخمسة والسفيروت نظامان مختلفان، نشآ في سياقات تاريخية وفكرية مختلفة، ولكل منهما معانيه ووظيفته داخل بنيته الدينية الخاصة.
لذلك فإن الصياغة الأكثر دقة هي أن بينهما أوجه تشابه في بعض البنى الميتافيزيقية، لا أن أحدهما هو الآخر، أو أن أحدهما مأخوذ بالضرورة من الآخر.
خامسًا: الأنبياء والحقيقة الدينية
أما فيما يتعلق بالأنبياء، فيؤكد الفكر الدرزي الإيمان بهم، ويربطهم بحقيقة دينية واحدة، مع اختلاف الشرائع والصور الدينية باختلاف الأزمنة والمجتمعات.
ومن هذا المنظور، يرتبط اختلاف الرسالات بدرجة كبيرة باختلاف الشرائع والظروف التاريخية، وليس بالضرورة باختلاف جوهر الحقيقة الروحية.
وهنا تظهر نقطة مقارنة مهمة مع اليهودية، لكنها تكشف أيضًا عن اختلاف أساسي. فالأنبياء في اليهودية جزء من تاريخ العهد بين الله وبني إسرائيل، ويحتل موسى مكانة استثنائية بوصفه الشخصية المركزية في تلقي التوراة والشريعة.
أما في التصور الدرزي، فيظهر موسى ضمن سلسلة أوسع من الأنبياء والحكماء المرتبطين بالحقيقة الدينية.
ويكشف هذا الاختلاف عن فرق أعمق في بنية التقليدين؛ فاليهودية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوراة والعهد والشريعة التي ارتبطت بموسى، بينما يميل الفكر الدرزي إلى إبراز الوحدة الداخلية للحقيقة الدينية خلف اختلاف الشرائع والصور التاريخية.
سادسًا: الشريعة والطقوس ومكانة الممارسة الدينية
إذا كان التأويل يمثل نقطة مقارنة مهمة بين الدرزية واليهودية، فإن الشريعة تمثل أحد أوضح مواضع الاختلاف.
فاليهودية، وخصوصًا في صورتها الحاخامية التقليدية، ليست مجرد منظومة فلسفية أو تجربة روحية، وإنما ترتبط بمنظومة واسعة من الأحكام والممارسات المعروفة بالهالاخاه، تشمل جوانب عديدة من الحياة اليومية، مثل الطعام والسبت والصلاة والأعياد والزواج والطلاق وغيرها.
أما الحياة الدينية الدرزية فلا تقوم على منظومة فقهية مماثلة للهالاخاه من حيث الاتساع والبنية التشريعية.
ومن هنا يمكن فهم سبب إعطاء المعرفة والتأويل والحكمة والسلوك الأخلاقي وزنًا كبيرًا في دراسة الفكر الدرزي. لكن ينبغي الحذر من تحويل هذا الاختلاف إلى حكم على أحد التقليدين؛ فهما ينظمان العلاقة بين العقيدة والممارسة الدينية بطرق مختلفة.
سابعًا: المعرفة والحكمة في التقليدين
تحتل المعرفة والحكمة مكانة بارزة في الفكر الدرزي. فالمعرفة ليست مجرد تراكم للمعلومات، وإنما ترتبط بفهم الحقيقة وبالتحول الأخلاقي والروحي للإنسان.
وفي اليهودية أيضًا تقاليد عريقة تجعل دراسة التوراة والتفسير والمعرفة الدينية جزءًا مهمًا من الحياة الدينية. وقد أصبحت دراسة النصوص في التراث اليهودي ممارسة ذات قيمة دينية في ذاتها.
لكن الفرق يكمن في الإطار الذي تتحرك فيه المعرفة؛ فالمعرفة اليهودية التقليدية ترتبط بصورة قوية بالنص والشريعة والتقليد التفسيري، بينما يأخذ مفهوم المعرفة في الفكر الدرزي طابعًا باطنيًا وفلسفيًا وروحيًا أكثر وضوحًا.
وبذلك نجد تشابهًا في تقدير المعرفة والحكمة، مع اختلاف في طبيعة المعرفة ووظيفتها داخل كل منظومة.
ثامنًا: رسائل الحكمة والجذور الفلسفية المحتملة
عند قراءة رسائل الحكمة، يلاحظ حضور واضح للمفاهيم الرمزية والتأويلية والفلسفية. ولهذا تبدو بعض النصوص الدرزية مختلفة في أسلوبها وبنيتها عن كتب الفقه الإسلامي التقليدية.
وقد دفع ذلك عددًا من الباحثين إلى دراسة الفكر الدرزي في ضوء التيارات الفكرية والدينية والفلسفية التي كانت موجودة في البيئة الإسلامية خلال الفترة التي ظهرت فيها الدعوة الدرزية.
ومن أبرز المقارنات في هذا السياق الإسماعيلية، ولا سيما فيما يتعلق بالتمييز بين ظاهر النص وباطنه، وفكرة تعدد مستويات المعرفة الدينية. لكن المقارنة لا تعني بالضرورة أن كل عنصر في الفكر الدرزي يمكن رده إلى مصدر إسماعيلي محدد، إذ إن تشكل العقائد عملية تاريخية أكثر تعقيدًا.
كما جرى بحث أوجه صلة محتملة مع بعض الأفكار الغنوصية. والغنوصية ليست دينًا واحدًا متجانسًا، وإنما مصطلح يُستخدم لوصف مجموعة من التيارات الدينية والفلسفية القديمة التي أعطت المعرفة الروحية مكانة مهمة في تصور الخلاص.
وتظهر أيضًا المقارنة مع الأفلوطينية، خصوصًا في موضوع تدرج الوجود والانتقال من المبدأ الأعلى إلى العقل والنفس والعالم.
ويمكن كذلك الإشارة إلى أوجه تشابه مع بعض التصورات الفيثاغورية المتعلقة بالعدد والنظام والتناغم الكوني.
إلا أن هذه المقارنات ينبغي أن تبقى ضمن حدودها المنهجية؛ فالتشابه الفكري ليس وحده دليلًا على التأثر التاريخي المباشر. ولا بد من التمييز بين التشابه في الأفكار، والتأثر الفلسفي المحتمل، والاقتباس التاريخي الذي يحتاج إلى أدلة مستقلة.
تاسعًا: تناسخ الأرواح بين الدرزية واليهودية
يُعد تناسخ الأرواح من العناصر المميزة في العقيدة الدرزية، وهو يختلف عن التصور الإسلامي السائد للموت والبعث والحياة الآخرة.
أما في اليهودية، فالتناسخ ليس عقيدة مركزية عامة في جميع تياراتها، لكنه ظهر في بعض الاتجاهات الصوفية اليهودية، ولا سيما في القبّالة، تحت مفهوم «غيلغول» (Gilgul)، الذي يشير إلى انتقال الروح من جسد إلى آخر.
وهنا تظهر مقارنة تستحق الاهتمام، لكنها تحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فوجود فكرة التناسخ في الدرزية وظهورها في بعض أشكال التصوف اليهودي لا يثبت في حد ذاته وجود علاقة تاريخية مباشرة بينهما.
والصياغة الأدق هي أن فكرة انتقال الروح ظهرت في تقليدين دينيين مختلفين، لكنها تحتل موقعًا مختلفًا في كل منهما؛ فهي عنصر مهم في التصور الدرزي، بينما ظهرت في بعض التيارات اليهودية الصوفية ولم تصبح عقيدة عامة في اليهودية.
عاشرًا: الدرزية واليهودية؛ تشابه في بعض المحاور واختلاف في البنية
إذا جمعنا المقارنة في صورة واحدة، أمكن تحديد عدد من المحاور التي تستحق الدراسة.
في التوحيد والتنزيه: نجد تأكيدًا قويًا على وحدانية الله وتنزيهه في التقليدين، مع اختلاف في البنية اللاهوتية لكل منهما.
في التأويل: نجد في كليهما تاريخًا من البحث عن المعاني التي تتجاوز القراءة الحرفية، وإن كان كل تقليد قد طور هذا المسار داخل بنية مختلفة.
في المعرفة والحكمة: يحتل التعلم والتفكير الديني مكانة مهمة في التقليدين، لكن ضمن تقاليد معرفية مختلفة.
في النبوة: يوجد إيمان بالأنبياء، لكن موقع موسى ووظيفة الشريعة يختلفان بصورة جوهرية بين التصورين.
في الشريعة والطقوس: يظهر الاختلاف بصورة أوضح، لأن الهالاخاه تشكل عنصرًا مركزيًا في اليهودية التقليدية، بينما لا تقوم الحياة الدينية الدرزية على منظومة فقهية مماثلة.
في التصور الكوني والروح: يمكن عقد مقارنات بين الحدود الخمسة والسفيروت، وكذلك بين التصور الدرزي لتناسخ الأرواح وبعض التصورات القبّالية، لكن هذه المقارنات لا تثبت وحدها وجود أصل عقدي مشترك أو تأثير مباشر.
ومن هنا يتضح أن المقارنة بين الدرزية واليهودية ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى تحديد المجال الذي تجري فيه، والتمييز بين التشابه المفهومي والاختلاف العقدي والعلاقة التاريخية المثبتة.
حادي عشر: من التشابه الديني إلى الموقف السياسي
بعد استعراض هذه المحاور، يمكن العودة إلى التصريح الذي أثار النقاش في البداية.
إن القول بوجود اشتراك في العقيدة بين الدروز ودولة إسرائيل يحتاج إلى توضيح دقيق؛ فالدولة كيان سياسي، بينما الدرزية واليهودية تقليدان دينيان لهما تاريخاهما وبناهما العقدية الخاصة. ولذلك فإن الحديث عن تشابه بين بعض المفاهيم الدرزية واليهودية لا يكفي لإثبات أن الدروز يشتركون مع دولة إسرائيل في العقيدة، كما أن وجود تقارب سياسي لا يثبت وجود وحدة دينية أو تاريخية.
كذلك، فإن المقارنة بين العقيدتين في موضوعات مثل التنزيه والتأويل والمعرفة والرمزية الكونية لا تؤدي بالضرورة إلى نتيجة سياسية محددة. فالمفاهيم الدينية لا تتحول تلقائيًا إلى مواقف سياسية، ولا يمكن استنتاج موقف جماعة دينية بأكملها من تصريح يصدر عن شخصية بعينها.
ومن المهم هنا التمييز بين ثلاثة أمور: ما تقوله النصوص الدينية، وما يمكن للباحثين إثباته بشأن العلاقات التاريخية بين التقاليد الدينية، وما يتخذه الأفراد أو الجماعات من مواقف سياسية في الحاضر.
وهذه المستويات قد تتقاطع أحيانًا، لكنها ليست شيئًا واحدًا. فالتشابه في بعض التصورات الفلسفية لا يثبت وحدة العقيدة، والانتماء الديني لا يفرض بالضرورة موقفًا سياسيًا واحدًا على جميع أبناء الجماعة.
ولا ينبغي الخلط بين الانتماء الديني والانتماء القومي أو السياسي؛ فانتشار الدين الواحد بين شعوب متعددة لا يجعلها قومية واحدة. فالمسيحيون، مثلًا، ينتمون إلى مجتمعات وقوميات مختلفة، ولا يعني اشتراكهم في الدين أنهم يشكلون قومية واحدة.
«فالتشابه في بعض التصورات الفلسفية لا يثبت وحدة العقيدة، والانتماء الديني لا يفرض بالضرورة موقفًا سياسيًا واحدًا على جميع أبناء الجماعة.»
أديب البردويل
وفي هذا السياق يُستحضر قول يُنسب إلى فارس بك الخوري ردًّا على الفرنسيين: «إذا جاء الفرنسيون إلى بلادنا من أجل حماية المسيحيين، فأنا أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». وتُختتم الفكرة هنا بتأكيد القائد العام للثورة السورية سلطان باشا الأطرش: «الدين لله والوطن للجميع».
لذلك، فإن تقييم تصريح الهجري يتطلب النظر في عباراته ضمن سياقها السياسي والتاريخي، والتحقق من المقصود بتعبير «الاشتراك في العقيدة»، بدل الاكتفاء بمقارنات عامة بين بعض المفاهيم الدرزية واليهودية.
خلاصة القول: أين تكمن خصوصية الفكر الدرزي؟
تكمن أهمية دراسة الفكر الدرزي في أنه يجمع داخل بنية دينية واحدة مستويات متعددة يصعب اختزالها في تصنيف واحد، تشمل التوحيد والتأويل والرمزية والمعرفة والأخلاق والتصورات الفلسفية عن الوجود، فضلًا عن مفهوم خاص للروح والمصير.
وعند مقارنته باليهودية، تظهر نقاط تشابه تستحق الدراسة، خصوصًا في تقدير التأويل والمعرفة، وفي بعض التصورات المتعلقة بتجاوز القراءة الحرفية للنص، وفي بعض التيارات اليهودية الصوفية التي طورت تصورات عن المراتب الروحية وتناسخ الأرواح.
لكن تظهر في الوقت نفسه فروق أساسية تتعلق بمفهوم النبوة، ومكانة موسى، وطبيعة الشريعة والطقوس، وبنية التصور الكوني، وموقع تناسخ الأرواح.
ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ليس: «هل الدرزية تشبه اليهودية؟»، بل: «في أي الجوانب يمكن مقارنة الدرزية باليهودية، وما حدود هذه المقارنة؟».
وعند طرح السؤال بهذه الطريقة، تصبح الصورة أكثر وضوحًا. فهناك تشابهات يمكن دراستها على مستوى المنهج التأويلي وبعض البنى الفلسفية والروحية، لكن هذا التشابه وحده لا يكفي لإثبات أصل مشترك أو تأثير مباشر.
والأقرب إلى المنهج التاريخي هو وضع الدرزية ضمن خريطة أوسع تضم البيئة الإسماعيلية والإسلامية التي نشأت فيها، والفلسفة الأفلوطينية، وبعض التيارات الغنوصية والصوفية، ثم مقارنتها أيضًا بالقبّالة والتقاليد اليهودية التأويلية. وليس الهدف من ذلك إثبات أن أحد هذه التقاليد هو «مصدر» الدرزية بصورة مبسطة، وإنما فهم المساحات التي تتقاطع فيها التقاليد الدينية والفلسفية، والمساحات التي تحتفظ فيها كل منظومة بخصوصيتها.
ومن هنا تصبح دراسة الدرزية أكثر أهمية: لا باعتبارها مجرد خليط من أفكار سابقة، وإنما باعتبارها منظومة دينية وفكرية تشكلت في سياق تاريخي محدد، واستوعبت لغة عصرها وأسئلته، ثم أعادت بناءها ضمن تصور خاص للإنسان والكون والحقيقة.
والخلاصة أن التشابه الديني لا يساوي التطابق العقدي، كما أن المقارنة التاريخية لا تكفي وحدها لتأسيس استنتاج سياسي. ومن ثم، فإن فهم تصريح الشيخ حكمت الهجري يقتضي الفصل بين دراسة العقيدة الدرزية في ذاتها، ومقارنتها بالتقاليد الدينية الأخرى، وتحليل الموقف السياسي الذي يعبر عنه التصريح.
وعلى الشيخ الهجري وغيره أن يعوا أن الدين لا يشكل قومية ولا وطنية، ولم يُعرف الوطن بالدين ولن يُعرف أبدًا.