توطئة
بعد انتصار الثورة، لم تدخل سوريا تلقائياً في طور “الدولة” بقدر ما دخلت في طور “إدارة الفراغ”. فحين تسقط السلطة القديمة، لا يسقط معها تلقائياً اقتصاد الظل، ولا شبكات السلاح، ولا البُنى التي اعتادت على الحرب. هنا تتكاثف التوقعات الشعبية، وتعلو لغة “الحسم”، بينما تتسع في المقابل مساحة الفوضى: أمن هش، سلاح متناثر، مؤسسات تتشكل على عجل، وحدود سياسية وقانونية لم تُرسَم بعد.
في قلب هذا المشهد يشتد الجدل حول حكومة الشرع: بين مؤيدين يرونها ضرورة انتقالية لوقف الانهيار وفرض حدٍّ أدنى من الأمن والخدمات، ومعترضين يعتبرونها “سلطة أمر واقع” تتصرف بمنطق حكومة منتخبة وفق دستور أقره برلمان منتخب، بينما تستند فعلياً إلى ترتيبات توافقية وبرلمان تعيين لا يمنح التفويض الشعبي الكامل. وبقدر ما تتسارع القرارات وتتعاظم ملفات “الدولة”، يزداد حساساً سؤال الشرعية: من يقرر؟ وبأي تفويض؟ وما حدود السلطة حين تغيب آليات الرقابة والتمثيل؟
ضمن هذه الفوضى، يسهل خلط العناوين وتبادل الاتهامات: تُختزل الميليشيات كلها في اسم واحد، أو تُلقى المسؤولية على الجميع بلا تمييز، فتضيع البوصلة بين تنظيمات إرهابية عابرة للحدود، ومشاريع نفوذ إقليمي منظّم، وقوى أمر واقع محلية برعاية دولية، ومرتزقة أجانب بلا جذور. وهذا الخلط ليس خطأً عابراً؛ إنه طريق مختصر لإعادة إنتاج الفوضى نفسها التي تتغذى عليها الميليشيات، وتُستثمر سياسياً لتبرير مزيد من السلاح ومزيد من الاستثناء.
“انعكاسات الفوضى المُدارة على الواقع السوري: تباين المشاريع السياسية خلف ستار الشعارات الموحدة كعامل أساسي في تفكك العقد الاجتماعي وتقويض أركان الدولة.”
خلط الأوراق وتقاطعات الأجهزة الأمنية الخارجية
إن خلط الأوراق بين الأدوات الميليشياوية المختلفة لم يعد خطأً تحليلياً، بل تحوّل إلى أحد أخطر أشكال التضليل السياسي. فحين تُختزل الفوضى باسم واحد، أو تُرمى المسؤولية بين الأطراف بلا تمييز، يُعاد إنتاج المشهد ذاته الذي تعيش عليه الميليشيات جميعاً.
«حين تُختزل الفوضى باسم واحد، يُعاد إنتاج المشهد الذي تعيش عليه الميليشيات جميعاً.»
أولاً: داعش… فوضى تُستثمر ولا تُبنى
داعش تنظيم متطرّف عابر للحدود، لا يمثّل الإسلام ولا أي قيمة إنسانية؛ بل يُعدّ من أخطر أعداء الإسلام والإنسانية معاً. نشأ في بيئة قمع وفراغ أمني وانهيار مؤسسات، ثم جرى استثماره سياسياً: استخدم النظام الأسدي وجوده لإعادة تسويق نفسه كـ“حارس ضد الإرهاب”، فيما استفادت إيران من تمدده لتبرير إدخال ميليشياتها العابرة للحدود تحت شعارات طائفية وأمنية. هنا لا نتحدث عن “صناعة” مباشرة بقدر ما نتحدث عن توظيف واعٍ للفوضى وتحويلها إلى ذريعة دائمة.
ثانياً: الميليشيات الإيرانية… مشروع نفوذ منظّم لدولة
في المقابل، الميليشيات الإيرانية ليست فوضى عمياء على نمط داعش، بل مشروع نفوذ منظّم لدولة. تعمل بعقيدة “الولي الفقيه”، وتبني سلطتها تدريجياً عبر السلاح، والاقتصاد، وشبكات الولاء الطائفي. هي لا تُكفّر المجتمع، لكنها تُصادر قراره، وتُفرغ الدولة الوطنية من سيادتها، لتستبدلها ببنية موازية تتجاوز القانون والمؤسسات.
ثالثاً: ميليشيات “قسد”… فوضى مُدارة وسلطة خارج التوافق الوطني
أما الميليشيات القسدية، فهي نموذج آخر للفوضى المُدارة: مشروع أمر واقع مسلح برعاية دولية، لا يستخدم الخطاب الديني، لكنه يفرض سلطة سياسية وأمنية خارج أي توافق وطني جامع. يتعامل مع الجغرافيا والسكان بمنطق السيطرة لا الشراكة، ما يجعله جزءاً من أزمة الدولة لا مساراً لبنائها.
رابعاً: الميليشيات الأجنبية… الخطر الأعلى لأنّها بلا مسؤولية
وتأتي الميليشيات الأجنبية لتشكّل القاسم الأكثر خطورة، لأنها بلا جذور اجتماعية ولا مسؤولية تاريخية. حضرت بدوافع عقائدية أو طائفية أو مالية، واستُخدمت كوقود صراعات، ثم تُركت لتخلّف دماراً عميقاً في النسيج الاجتماعي، دون أي التزام بمستقبل الأرض التي قاتلت فوقها.
«الأخطر في الميليشيات الأجنبية أنها تقاتل بلا ذاكرة… وتغادر بلا مسؤولية.»
لماذا يَخدم الخلط “منظومة الفوضى”؟
إن خلط الأوراق بين داعش، والميليشيات الإيرانية، والقسدية، والميليشيات الأجنبية، ورمي التهم المتبادلة بينها، لا يخدم الحقيقة ولا العدالة، بل يخدم منظومة الفوضى ذاتها:
- داعش يتغذّى على الفوضى.
- والميليشيات الإيرانية تبرّر نفوذها بها.
- والمشاريع المسلحة المدعومة دولياً تكرّس أمراً واقعاً تحت غطائها.
- والميليشيات الأجنبية تعيش عليها وتموت بها.
لذلك فإن التفكيك الدقيق للمشهد، لا الشعارات، هو المدخل الوحيد لكشف التضليل. أما تبادل الاتهامات وخلط الأدوات، فلا ينتج إلا مزيداً من العتمة… ومزيداً من الفوضى.
خلاصة معيارية: الميليشيا لا تمثّل “مكوّناً”
الأهم من كل ذلك أن نكون واعين لفكرة أن الميليشيا لا شأن لها بانتماء أو مكوّن أو عقيدة. الميليشيا، في جوهرها، جماعات مأجورة من قبل أصحاب المصالح؛ ولو رفعت أبهى الشعارات العقائدية العاطفية الحالمة، فهي لا تمثّل إلا ما تكسبه من نفوذ ومال.
«المشكلة ليست في المكوّن… بل في الميليشيا التي تصنع الفتنة وتقتات عليها.»
وجّه كراهيتك لمن يدمّر البلاد ويزرع الفتن فيها. مشكلتك ليست مع علويٍّ أو سنيٍّ أو شيعيٍّ أو درزيٍّ أو كرديٍّ… أو أي إنسان وُلد في “صدفة” العقيدة والمسمّى.