ببالغ الأسى والحزن، وبقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، تنعى الأوساط الثقافية والوطنية السورية رحيل الشاعر والكاتب والمعتقل السياسي السابق حسن النيفي، الذي غيّبه الموت في العاصمة الفرنسية باريس عن عمرٍ ناهز 62 عاماً إثر وعكةٍ صحية طارئة. وبرحيله تُطوى صفحةٌ مضيئة من سيرة كفاحٍ طويلة، امتزجت فيها عذوبة الشعر بمرارة الزنازين، وقسوة الغربة بصلابة الموقف، في واحدةٍ من أعقد المراحل التي شهدها التاريخ السوري الحديث.
من عتمة الزنازين إلى وحشة المنفى
لم يكن حسن النيفي شاعراً يكتب من مسافةٍ آمنة، بل كان صوتاً خرج من قلب التجربة، ومن صميم الألم العام. عاش الاعتقال بكل ثقله، ثم عاش المنفى بما فيه من عزلةٍ وحرمان، وظلّ مع ذلك ثابتاً على إيمانه بأن الكلمة ليست زينةً للغة، بل شهادةٌ على الزمن وموقفٌ أخلاقيّ من الاستبداد.
نشأة أدبية ومواقف وطنية
وُلد الراحل عام 1963 في مدينة منبج بريف حلب، وشغف باللغة العربية التي درس آدابها في جامعة حلب. وفي منتصف الثمانينيات بزغت موهبته بإصدار مجموعته الشعرية الأولى «هواجس وأشواق». لم يتعامل مع الشعر بوصفه ترفاً جمالياً، بل بوصفه وجداناً حياً وضميراً يقظاً؛ فانخرط مبكراً في العمل السياسي معبّراً عن رفضه المطلق للاستبداد، وهو الطريق الذي قاده إلى الاعتقال عام 1986 وهو لا يزال طالباً على مقاعد الدراسة.
عقدٌ ونصف في غياهب السجون
أمضى الفقيد نحو خمسة عشر عاماً خلف قضبان سجون النظام، من بينها سنواتٌ قاسية في سجن تدمر العسكري سيّئ السمعة. وقد شكّلت تلك المحنة—بما حملته من قهرٍ وتجريد—منعطفاً حاسماً في وعيه السياسي ونتاجه الأدبي؛ إذ غدت سنوات السجن مرجعاً أصيلاً في كتاباته وشهاداته، وعنواناً لفهمه العميق لمعنى الحرية وحدود الجسد أمام صلابة الروح.

استمرار العطاء رغم القيد
بعد خروجه إلى الحرية عام 2001 لم ينكفئ عن المجال الثقافي، بل واصل مسيرته بإصدار مجموعتين شعريتين هما «رماد السنين» و«مرافئ الروح»، إلى جانب مئات المقالات السياسية والفكرية في الصحف والمواقع العربية. ومع انطلاق الثورة السورية، جسّد الراحل دور المثقف المنخرط في الشأن العام، فتولى مهاماً وطنية عدة، من بينها عضويته في مجلس محافظة حلب الحرة، ورئاسته للمكتب السياسي في حزب «النداء الوطني الديمقراطي».

المنفى والوداع الأخير
انتقل حسن النيفي إلى تركيا عام 2014، ومنها إلى فرنسا حيث استقر، وظل حتى آخر أيامه صوتاً حاضراً في الكتابة السياسية وقضايا الناس. ينعاه اليوم مثقفون وصحفيون سوريون بوصفه صوتاً استثنائياً جمع بين الإبداع الفني وذاكرة الاعتقال، وبين حساسية الشاعر وثبات الموقف، دون أن يساوم على المعنى أو يتخفّف من واجب الشهادة.
برحيل حسن النيفي تفقد الساحة الثقافية السورية شاعراً ومثقفاً حمل أوجاع السجن وآلام المنفى بشموخٍ وكرامة، وترك إرثاً أدبياً وفكرياً سيبقى حيّاً في ذاكرة الأجيال، وفي ضمير كل من آمن بأن الحرية تُكتب كما تُعاش.
رحم الله الفقيد، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.حسن النيفي، شاعر سوري، رحيل حسن النيفي، منبج، جامعة حلب، سجن تدمر، معتقل سياسي، أدب السجون، الثورة السورية، المنفى في فرنسا، باريس، النداء الوطني الديمقراطي، مجلس محافظة حلب الحرة، شعر سياسي، مثقف سوريحسن النيفي، شاعر سوري، رحيل حسن النيفي، منبج، جامعة حلب، سجن تدمر، معتقل سياسي، أدب السجون، الثورة السورية، المنفى في فرنسا، باريس، النداء الوطني الديمقراطي، مجلس محافظة حلب الحرة، شعر سياسي، مثقف سوري